إعلان                    
الأخبار

شريان أوروبا المكسور… نورد ستريم اللغز الذي عاد ليهزّ التحالف الأوروبي والدور الدنماركي فيه

تنبيه: يُسمح فقط بمشاركة الرابط ويُمنع نسخ المحتوى أو استخدام الصور الخاصة بالموقع لأي سبب بموجب قانون حقوق النشر

في السادس والعشرين من سبتمبر عام ألفين واثنين وعشرين، دوّت انفجارات هائلة في قاع بحر البلطيق، قرب جزيرة بورنهولم الدنماركية، فأصابت خطوط أنابيب «نورد ستريم» التي كانت تربط روسيا بألمانيا عبر البحر، لم تكن تلك الانفجارات حادثًا تقنيًا، ولا تسربًا عرضيًا للغاز.

بعد تحقيق استمر أكثر من عام، أعلنت الدنمارك رسميًا أن ما حدث كان تخريبًا متعمدًا لخطوط الغاز، فيما خلصت السويد أيضًا إلى أن الأنابيب تعرضت لعمل تخريبي، وما لبثت البلدين أن أنهيا تحقيقاتهما الوطنية من دون توجيه اتهام جنائي في قضية تعتبر حساسة لدرجة كبيرة، لتبقى ألمانيا الدولة الأوروبية الرئيسية التي تواصل المسار الجنائي.

واليوم، بعد نحو أربعة أعوام من الانفجارات، لم يعد السؤال فقط: من فجّر نورد ستريم، بل السؤال الأكثر حساسية أصبح: ماذا يحدث إذا قادت الإجابة إلى أشخاص مرتبطين بدولة تدعمها أوروبا سياسياً واقتصادياً وعسكرياً بمقدرات طائلة في حربها ضد روسيا؟

وهنا تحديدًا تحولت قضية نورد ستريم من جريمة تخريب لبنية تحتية للطاقة إلى واحدة من أكثر القضايا الأمنية والسياسية إحراجًا في أوروبا.

من كان يملك «شريان الغاز»؟

كان نظام «نورد ستريم» يتكون من خطي أنابيب رئيسيين، يمتد كل منهما لمسافة تقارب ألفًا ومئتين وأربعة وعشرين كيلومترًا تحت بحر البلطيق، وكان «نورد ستريم 1» و«نورد ستريم 2» يمتلكان معًا قدرة تصميمية تصل إلى نحو 110 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا؛ أي إنهما كانا يمثلان أحد أكبر مسارات نقل الغاز الروسي مباشرة إلى السوق الألمانية والأوروبية، ولهذا لم يكن تفجير الأنابيب مجرد تدمير لمنشأة صناعية.

لقد أصاب أحد أهم رموز العلاقة الطاقية التي ربطت روسيا بألمانيا وأوروبا لعقود، وجاء في لحظة كانت فيها أوروبا تعيش أصلًا أزمة طاقة حادة على خلفية الحرب الروسية على أوكرانيا.

لكن المفارقة الكبرى أن «نورد ستريم» لم يعد مجرد ملف طاقة منذ لحظة الانفجار، لقد أصبح اختبارًا للأمن الأوروبي نفسه.

أربعة انفجارات.. وقصة لا تزال بلا رواية نهائية معلنة

وقعت الانفجارات في منطقة بحرية حساسة قرب جزيرة بورنهولم الدنماركية، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية لعدد من دول شمال أوروبا.

وبحسب التحقيقات الألمانية، استخدمت المجموعة المشتبه بها يختًا شراعيًا يعرف باسم «أندروميدا»، وتعتقد النيابة الألمانية أن المجموعة ضمت منسقًا وقبطانًا وعددًا من الغواصين وخبيرًا بالمتفجرات.

وتقول السلطات الألمانية إن متفجرات زُرعت على خطوط الأنابيب ثم جرى تفجيرها في يوم 26 سبتمبر عام 2022.

لكن حتى الآن، لا توجد رواية قضائية نهائية تثبت بصورة قاطعة من أصدر الأمر السياسي بالعملية.

وهنا تكمن حساسية القضية.

فإثبات أن التخريب كان متعمدًا شيء، وإثبات هوية المنفذين شيء آخر، وإثبات الجهة التي تقف خلف العملية سياسيًا شيء ثالث تمامًا.

ألمانيا تقترب أكثر من الإجابة

بعد أن أغلقت الدنمارك تحقيقها في فبراير عام ألفين وأربعة وعشرين، قالت السلطات إنها لم تجد أساسًا كافيًا لملاحقة جنائية داخل الدنمارك، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن التحقيق أثبت وقوع تخريب متعمد، وأن السلطات الدنماركية تعاونت مع شركاء أجانب.

أما ألمانيا فواصلت التحقيق.

وفي يوليو عام 2026، اتخذ الملف منعطفًا كبيرًا عندما وجه الادعاء العام الألماني اتهامات إلى المواطن الأوكراني سيرهي كيه، الذي تقول النيابة إنه كان منسقًا رئيسيًا للمجموعة التي استخدمت اليخت «أندروميدا» في العملية.

والأكثر حساسية أن الادعاء الألماني اتهمه بالمشاركة في هجوم على بنية تحتية مدنية للطاقة، وبالتسبب في انفجار وتدمير منشآت وتعطيل خدمات عامة، كما اعتبر الهجوم جريمة حرب في إطار الاتهامات الموجهة إليه.

ثم جاءت خطوة جديدة في 19 أغسطس عام 2026، حين أعلنت النيابة الاتحادية الألمانية اعتقال مواطن أوكراني ثانٍ، هو فلاديمير زد، في مدينة بولا الكرواتية، للاشتباه في مشاركته في العملية، وبحسب مذكرة الاعتقال الألمانية، فإن فلاديمير زد غواص مدرب، وتتهمه النيابة بالمشاركة في عمليات الغوص اللازمة لزرع المتفجرات قرب بورنهولم، ويعني ذلك أن القضية لم تعد مجرد تحقيق في جريمة مجهولة الفاعل، بل لقد دخلت الآن مرحلة قضائية فعلية، لكن هناك مشكلة سياسية أكبر من أسماء المتهمين، فالمتهمون الذين تركز عليهم النيابة الألمانية أوكرانيون، وهذه الحقيقة وحدها كافية لجعل القضية شديدة الحساسية في أوروبا، لكن من المهم التفريق بين جنسية المتهمين وبين إثبات تورط الدولة الأوكرانية نفسها.

فالادعاء الألماني يتهم سيرهي كيه بالتصرف نيابة عن جهات حكومية أوكرانية، وهي اتهامات لم تتحول بعد إلى حكم قضائي نهائي، بينما تنفي كييف مسؤوليتها عن التفجيرات.

وفي 24 أغسطس عام 2026، جدد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نفيه أن تكون أوكرانيا قد شاركت في تفجير خطوط نورد ستريم، مؤكدًا أن بلاده تتعاون مع التحقيق الألماني، وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات القضية حساسية: ماذا يحدث إذا انتهت محكمة ألمانية إلى إثبات مسؤولية أشخاص أوكرانيين عن هجوم استهدف بنية تحتية أوروبية، بينما كانت أوكرانيا في الوقت نفسه شريكًا عسكريًا وسياسيًا رئيسيًا لألمانيا وبقية أوروبا في مواجهة روسيا؟ وهذا هو السؤال الذي يجعل القضية أكبر من مجرد ملف جنائي.

المفاجأة الدنماركية: لماذا رفضت كوبنهاغن مساعدة ألمانيا؟

هنا ظهرت واحدة من أكثر التفاصيل إثارة للاهتمام في أغسطس 2026. فبحسب ما كشفه تقرير استند إلى لائحة اتهام ألمانية حصلت عليها هيئة الإذاعة والبث الدنماركية DR، كانت ألمانيا قد طلبت من السلطات الدنماركية المساعدة في استجواب أشخاص، بينهم مسؤولو موانئ وأصحاب قوارب ترفيهية، في بورنهولم وجزيرة كريستيانسو، وكان الهدف هو مساعدة التحقيق الألماني في تتبع تحركات مرتبطة باليخت «أندروميدا» والمسار المحتمل للمنفذين.

وبحسب الوثيقة الألمانية، جاء الرد الدنماركي في 14 فبراير عام 2024، قبل اثني عشر يومًا فقط من إعلان كوبنهاغن إنهاء تحقيقها الوطني.

واللافت أن الادعاء الألماني وصف الرفض بأنه جاء بسبب احتمال وجود تهديد لأمن الدولة الدنماركية وسلامتها، وهنا تبدأ القصة الأكثر غموضًا.

الدنمارك تنفي أنها «رفضت التعاون»

من وجهة النظر الدنماركية، من المهم جدًا ألا تتحول هذه النقطة إلى استنتاج غير مثبت، فالسلطات الدنماركية لا تقبل توصيف ما حدث باعتباره رفضًا للتعاون مع ألمانيا، ووفقًا لما نقلته وكالة ريتساو عن مكتب الادعاء الدنماركي، فإن السلطات لم ترفض التعاون مع ألمانيا، بل أحالت استمرار التعاون إلى القنوات القائمة بين أجهزة الاستخبارات في البلدين.

كما أكد وزير العدل الدنماركي أن الأجهزة الدنماركية تعاونت مع شركائها الألمان، فيما قالت PET إن التعاون مع الجانب الألماني كان جيدًا.

لكن هذا التوضيح لا يلغي السؤال، بل ربما يجعله أكثر إثارة: لماذا كان التعاون في هذه المرحلة عبر القنوات الاستخباراتية، وليس من خلال المساعدة الشرطية والقضائية التي طلبتها ألمانيا؟

وهل كان السبب مجرد حماية المعلومات الحساسة المتعلقة بالأمن القومي الدنماركي؟ أم أن لدى كوبنهاغن معلومات لا تستطيع أو لا تريد وضعها في ملف جنائي مفتوح يمكن أن ينتهي به المطاف أمام القضاء والإعلام؟ لا توجد أدلة علنية كافية تسمح بالإجابة عن هذا السؤال.

بورنهولم.. الجزيرة التي أصبحت في قلب اللغز

ليست بورنهولم مجرد موقع جغرافي في قصة نورد ستريم، فالجزيرة الدنماركية تقع في قلب بحر البلطيق، وعلى مسافة قريبة من مواقع الانفجارات، وقد ظهرت في التحقيقات الألمانية والدنماركية والسويدية منذ الأيام الأولى للحادث.

كما أن بعض الاتصالات والرحلات البحرية المرتبطة بالتحقيقات مرت عبر منطقة واسعة تشمل الموانئ والجزر المحيطة بها.

ولهذا أصبحت طلبات الاستجواب والتحقق من تحركات القوارب في بورنهولم وكريستيانسو جزءًا مهمًا من محاولة إعادة بناء الساعات والأيام التي سبقت التفجير.

والآن، بعد ظهور تفاصيل الرفض الدنماركي، أصبح هناك سؤال جديد فوق السؤال القديم: ماذا كانت ألمانيا تريد أن تعرف في بورنهولم، ولماذا رأت الدنمارك أن هذا النوع من التعاون يجب أن يبقى ضمن إطار أمني واستخباراتي مختلف؟

من «لغز نورد ستريم» إلى اختبار الثقة داخل أوروبا

في البداية كان الخوف الأوروبي من أن يكون تفجير نورد ستريم جزءًا من حرب جديدة على البنية التحتية الحيوية، ثم أصبح السؤال: من فعل ذلك؟ واليوم، مع تقدم التحقيق الألماني، ظهر سؤال ثالث أكثر خطورة: هل تستطيع أوروبا أن تحقق في جريمة تمس أمنها الاستراتيجي حتى لو قادت الأدلة إلى أشخاص مرتبطين بأحد أهم شركائها في الحرب؟

هذه ليست مسألة نظرية، فألمانيا تواصل المسار القضائي، وقد وجهت اتهامات فعلية إلى مشتبه به أوكراني، وأعلنت اعتقال مشتبه به ثانٍ. وفي المقابل، لا تزال أوكرانيا تنفي مسؤوليتها عن العملية.

أما الدنمارك، التي وقع التفجير بالقرب من أراضيها البحرية، فقد أنهت تحقيقها الوطني، لكنها تؤكد أنها تعاونت مع شركائها الأجانب، بينما تكشف الوثائق الألمانية الجديدة عن خلاف حول طبيعة ونطاق التعاون المطلوب.

لماذا أصبحت القضية أخطر الآن؟

لأن السنوات الأولى من التحقيق كانت تدور حول انفجار غامض في قاع البحر، أما الآن، فقد أصبحت هناك أسماء، ومذكرات اعتقال، واتهامات، ومحاكم، وأدلة يجري اختبارها قضائيًا، وكل خطوة ألمانية جديدة تضع الحكومات الأوروبية أمام معادلة صعبة: إذا ثبتت مسؤولية أفراد أوكرانيين عن العملية، فهل ستُعامل القضية باعتبارها جريمة جنائية ارتكبها أفراد؟ أم ستفتح الباب أمام سؤال أكبر حول أي علاقة محتملة بين العملية وأجهزة أو جهات رسمية في أوكرانيا؟

وفي المقابل، إذا لم تستطع المحاكم إثبات هذه الصلة، فستبقى واحدة من أكبر عمليات تخريب البنية التحتية في أوروبا خلال العقود الأخيرة بلا إجابة نهائية عن الجهة التي أمرت بها.

االأنابيب دُمّرت.. لكن القصة لم تنتهِ

انتهت حياة «نورد ستريم» عمليًا مع انفجارات سبتمبر عام 2022، لكن القضية السياسية والقانونية التي ولدتها تلك الانفجارات لم تنتهِ، بل على العكس، يبدو أن الملف دخل الآن أخطر مراحله.

ألمانيا تلاحق مشتبهًا بهم أمام القضاء، وأوكرانيا تنفي أي تورط، والدنمارك تتمسك بأن تحقيقها لم يجد أساسًا لملاحقة جنائية محلية، بينما تكشف وثائق ألمانية جديدة عن خلاف غير مسبوق حول طبيعة التعاون بين كوبنهاغن وبرلين.

ولذلك قد لا يكون السؤال التاريخي عن نورد ستريم هو فقط: من فجّر الأنابيب؟ بل ربما يكون السؤال الذي سيبقى أثره طويلًا في السياسة الأوروبية: ماذا ستفعل أوروبا إذا قادت العدالة إلى حقيقة لا تريد السياسة الأوروبية مواجهتها؟

حتى الآن، لا تزال الإجابة مدفونة في بحر البلطيق، لكن للمرة الأولى منذ عام 2022، بدأت أجزاء من اللغز تظهر أمام المحاكم، لا في قاع البحر فقط.

أسماء عباس

إعلامية عربية دنماركية حاصلة على ماجستير في الإعلام، صحفية ومقدمة برامج على فضائيات عربية، عضو مسجل في مجلس الإعلام الدنماركي الرسمي، مدربة دولية، مهندسة معمارية، وسفير سلام دولي في منظمة مسجلة في الأمم المتحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!