قنبلة في السياسة الألمانية | لاستهدافه المسلمين والمهاجرين: ألمانيا تصنف ثاني أكبر حزب كمجموعة متطرفة
أشعل قرار أصدرته الاستخبارات الألمانية (BfV) الجدل في المشهد السياسي الألماني، بعد أن صنّف ثاني أكبر أحزاب ألمانيا رسميًا كـ”تنظيم يميني متطرف” على مستوى ألمانيا، وحزب يميني شعبوي معروف واسمه “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) ، وذلك في خطوة غير مسبوقة من حيث التأثير والتوقيت، قبل أيام فقط من تغيير محتمل في قيادة الحكومة.
تصنيف رسمي بعد سنوات من المراقبة
قرار جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني الذي تم الإعلان عنه هذا الأسبوع، جاء بعد سنوات من مراقبة الحزب، الذي كان مصنفًا كتنظيم يميني متطرف في عدد من الولايات الفيدرالية، لكن القرار الجديد يجعله رسميًا مصنفًا على المستوى الوطني لأول مرة.
المسلمين والمهاجرين هم المستهدفين في خطابات وسياسات الحزب اليميني المتطرف
وجاء القرار بناءً على تقرير استخباراتي ضخم يزيد عن 1000 صفحة، تناول بشكل منهجي محتوى خطابات قادة الحزب، وبرنامجه الانتخابي، وشعاراته الرسمية، إضافة إلى تصريحات أعضائه، التي وصفتها الهيئة بأنها “تنتهك مبدأ الكرامة الإنسانية المنصوص عليه في الدستور الألماني”.
وفقًا للتقرير، فإن AfD يتبنى خطابًا يُميز ضد شرائح كاملة من المجتمع الألماني، خصوصًا المسلمين والمهاجرين، ويصورهم كمواطنين من الدرجة الثانية، وهو ما دفع وزارة الداخلية للتأكيد على أن التصنيف ليس سياسيًا، بل يستند إلى “أدلة دامغة ولا لبس فيها”.
ردود أفعال الحزب: “تشويه وتهديد للديمقراطية”
الحزب اليميني الذي يُعد ثاني أكبر قوة سياسية في البوندستاغ (البرلمان) الألماني، وصف القرار بأنه “مسيس بشكل واضح” وهدد باللجوء إلى القضاء، مشيرًا إلى أن التصنيف “تشويه علني وتجريم سياسي قبيل تشكيل حكومة جديدة”، في إشارة إلى اقتراب رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، فريدريش ميرتس، من تولي منصب المستشار.
وفي بيان صحفي مشترك، وصف زعيما AfD، أليس فايدل وتينو شروبالا القرار بأنه “صفعة قوية للديمقراطية الألمانية”، وأكدا أنه يستهدف الحزب سياسيًا قبيل استلام حكومة جديدة للسلطة، معتبرين أن التوقيت ليس مصادفة، بل يتزامن بشكل مريب مع الانتقال الحكومي المرتقب في برلين.
وقال البيان: “AfD يتعرض لتجريم علني وتشويه إعلامي، في الوقت الذي يستعد فيه حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي لتولي الحكم. نرفض هذا التصنيف جملة وتفصيلًا وسندافع قانونيًا عن أنفسنا ضد هذه الادعاءات التي تهدد الديمقراطية.”
كما أشار الحزب إلى أن القرار يمنح السلطات صلاحيات موسعة في مراقبة الحزب وأعضائه، مما يفتح الباب لمزيد من الملاحقة السياسية تحت غطاء أمني.
وزيرة الداخلية الألمانية: التقرير يظهر بوضوح التمييز بين مجموعات عرقية ودينية بأكملها
وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر (من الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD) دافعت بقوة عن قرار جهاز الاستخبارات، ورفضت بشكل قاطع اتهامات الحزب بالتسييس، مشيرة إلى أن التقرير يُظهر بشكل قاطع أن AfD يتبنى خطابًا “يخرق المبادئ الدستورية ويُميز ضد مجموعات عرقية ودينية بأكملها”.
وقالت الوزيرة بحسب وسائل إعلام: “AfD يُعامل الألمان من أصول مهاجرة كمواطنين من الدرجة الثانية. التقرير يُثبت بوضوح كيف يُهدد الحزب الوحدة المجتمعية في ألمانيا.”
مواقف من البرلمان: دعوات لعزل AfD من المناصب الرسمية
وفي أعقاب القرار الذي اعتبره البعض قنبلة في السياسة الألمانية، دعت نائبة رئيس البوندستاغ، أندريا ليندهولتس (من الحزب المسيحي الاجتماعي CSU)، الأحزاب السياسية إلى إعادة النظر في كيفية التعامل مع AfD داخل البرلمان، مؤكدة أن الحزب لم يعد يُعامل ككيان سياسي عادي.
وقالت ليندهولتس في تصريح لوسائل إعلام: الآن مؤكد تصنيفه كتنظيم يميني متطرف. لا يمكن التعامل معه كما لو كان حزبًا ديمقراطيًا عاديًا. السماح له بتولي مناصب تمثيلية أو رئاسة لجان سيكون إساءة لمكانة البرلمان ومؤسساته.”
دعوات للحظر… مع تحذيرات من التسرع
ووسط هذا الجدل، ارتفعت أصوات من داخل الطيف السياسي الألماني تطالب بحظر AfD بالكامل، نظرًا لتصنيفه الحالي، إلا أن المستشار الألماني المنتهية ولايته، أولاف شولتس، دعا إلى الحذر وعدم التسرع في اتخاذ خطوات قانونية ضد الحزب.
شولتس أعرب عن دعمه لقرار هيئة حماية الدستور، لكنه شدد في تصريحات لوكالة رويترز على أن أي مسار نحو الحظر يجب أن يتم وفق معايير صارمة وتقييم قانوني شامل.
وأضاف: “هيئة الاستخبارات قدمت تقريرًا مفصلًا للغاية. لكننا نحتاج إلى تقييم عميق قبل أي إجراءات مستقبلية قد تُهدد بتعقيد المشهد السياسي.”
من هو حزب AfD؟
تأسس حزب “البديل من أجل ألمانيا” في عام 2013 في خضم أزمة الديون الأوروبية، كرد فعل على سياسات الإنقاذ المالي لدول جنوب أوروبا، واتخذ موقفًا نقديًا ضد اليورو.
مع مرور الوقت، تطور الخطاب السياسي للحزب نحو اليمين المتشدد، متبنيًا مواقف معارضة بشدة للهجرة، والإسلام، والاتحاد الأوروبي. وتمكن من تحقيق قفزة انتخابية في السنوات الأخيرة، خصوصًا مع تصاعد الغضب الشعبي تجاه أزمة اللاجئين في 2015.
في الانتخابات الأخيرة، حصل الحزب على أكثر من 20% من أصوات الناخبين، وأصبح ثاني أكبر قوة سياسية في البلاد بعد الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
خاتمة: مشهد سياسي ألماني على مفترق طرق
ويعتبر قرار تصنيف AfD كتنظيم يميني متطرف لا يُشكل فقط لحظة فارقة في تاريخ الحزب، بل أيضًا نقطة تحول حادة في السياسة الألمانية ككل. فبينما يرى البعض في القرار خطوة لحماية الديمقراطية، يراه آخرون انزلاقًا نحو استخدام المؤسسات الأمنية لأهداف سياسية.
ومع اقتراب تغير الحكومة وتنامي قوة اليمين المتطرف في أوروبا، تبقى ألمانيا تحت مجهر مراقبة دقيق من الداخل والخارج، في انتظار ما ستؤول إليه تداعيات هذا القرار.








