إعلان
الأخبار

اليوم يُطوى ملف المِنك وميته فريدريكسن تفلت من التحقيق والمحاسبة بفضل وزرائها

تنبيه: يُسمح فقط بمشاركة الرابط ويُمنع نسخ المحتوى أو استخدام الصور الخاصة بالموقع لأي سبب بموجب قانون حقوق النشر

اليوم، الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، يمثل يوماً حاسماً في واحد من أكثر الملفات السياسية والقانونية جدلاً في الدنمارك خلال العقود الأخيرة، وهي قضية المنك التي ما تزال تلقي بظلالها على حكومة رئيسة الوزراء ورئيسة الحزب الاشتراكي الديمقراطي ميته فريدريكسن بعد خمس سنوات من تفجرها. ففي هذا اليوم تسقط آخر فرصة قانونية لمقاضاة رئيسة الوزراء بموجب قانون التقادم، ما يعني أن أي محاولة لمساءلتها أو فتح تحقيق جنائي جديد تصبح بعد اليوم غير ممكنة قانونياً.

في نوفمبر 2020 أصدرت حكومة فريدريكسن قراراً بإعدام جميع حيوانات المنك في البلاد، والتي قدرت أعدادها ما بين 15 و17 مليون حيوان منك، خوفاً من انتشار طفرة جديدة من فيروس كورونا تُعرف باسم Cluster 5 في ذلك الحين. القرار جاء بعد تحذيرات من العلماء من احتمال انتقال السلالة المتحوّرة إلى البشر، لكن لاحقاً تبين أن القرار لا يستند إلى أساس قانوني واضح، إذ لم يكن للحكومة صلاحية الأمر بإعدام الحيوانات خارج المزارع المصابة.

النتيجة كانت صادمة، فقد تم القضاء على صناعة المنك الدنماركية التي كانت من الأكبر في العالم، وتكبد المزارعون خسائر بمليارات الكرونات الدنماركية، واندلع غضب واسع في الأوساط الزراعية والسياسية والشعبية.

وفي يونيو 2022 أصدرت لجنة التحقيق الرسمية المعروفة باسم Mink Commission تقريرها النهائي الذي خلص إلى أن القرار الحكومي لم يكن له أي أساس قانوني، وأن البيان الصحفي الذي أعلن القرار كان مضللاً بشدة.

ورغم الانتقادات الحادة التي وجهها التقرير، لم تُقدَّم فريدريكسن ولا أي من وزرائها أو مساعديها إلى المحاكمة أو المساءلة الجنائية، واكتفت الحكومة بالاعتذار العام وتقديم تعويضات مالية للمزارعين المتضررين، وحتى مساعدة ميته فريدريكسن التي تلقت إنذاراً بسبب ضلوعها في القضية، سحبت ميته فريدريكسن الإنذار في وقت لاحق.

ينص القانون الدنماركي على أن مهلة رفع الدعاوى ضد الوزراء تمتد لخمس سنوات فقط من تاريخ الفعل محل النزاع، وبما أن قرار الإعدام صدر في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، فإن اليوم، 4 نوفمبر 2025، هو آخر يوم يمكن فيه قانونياً رفع أي دعوى جديدة ضد رئيسة الوزراء أو أعضاء حكومتها السابقين.

بهذا يغلق اليوم باب قانوني استمر الجدل حوله لسنوات. ومع انتهاء هذه المهلة، يعتبر الملف مغلقاً قضائياً، حتى وإن ظل مفتوحاً سياسياً وأخلاقياً في نظر كثير من الدنماركيين.

قبل انتخابات عام 2022 قدمت عدة أحزاب دنماركية، بينها حزب فينستره وحزب المعتدلين وحزب المحافظين، وعوداً صريحة للناخبين بأنها ستعمل على محاسبة رئيسة الوزراء عن قرار الإعدام الجماعي. قال زعماء تلك الأحزاب آنذاك إن مساءلة فريدريكسن تمثل اختباراً لمصداقية الديمقراطية الدنماركية وإنهم لن يتهاونوا في المطالبة بالعدالة للمتضررين، وكرروا تأكيداتهم للناخبين بعزمهم فتح تحقيق مستقل في القضية، الأمر الذي مثل وعداً مركزياً من الأحزاب للناخبين.

لكن المشهد تغيّر تماماً بعد الانتخابات، فقد شكلت فريدريكسن حكومة ائتلافية مع بعض من هؤلاء المنتقدين أنفسهم، بعد أن عرضت عليهم حقائب وزارية مهمة منها الخارجية والدفاع والاقتصاد، في أطول مفاوضات حكومية في تاريخ الدنمارك والتي استمرت لأربعين يوماً، وبمجرد دخول حزب فنستره وحزب المعتدلون في التحالف الحكومي، اختفى بند التحقيق المستقل في قضية المنك من البرامج الحكومية واستُبدل بعبارات فضفاضة حول الدروس المستفادة والإصلاحات المستقبلية.

ووفق تقارير محلية، أنهت هذه التفاهمات السياسية فعلياً أي احتمال لفتح تحقيق برلماني جديد أو رفع دعوى ضد فريدريكسن، حيث اعتبر الشركاء الجدد في الحكومة أن الصفحة طويت حين انسحب الحزبان وفقدت هذه القضية الأغلبية البرلمانية المؤيدة لفتح تحقيق مستقل.

كثير من الناخبين الذين منحوا أصواتهم لتلك الأحزاب على أساس وعود المساءلة شعروا بخيبة أمل كبيرة، معتبرين أن السياسيين باعوا وعودهم مقابل مقاعد وزارية. كما أعربت المنظمات الزراعية عن استيائها، مؤكدة أن ما جرى أفقد المواطنين الثقة في قدرة النظام الديمقراطي على محاسبة السلطة التنفيذية، وأن العدالة لم تتح للمزارعين الذين خسروا مصدر رزقهم بالكامل، كما انتقدت أحزاب المعارضة من اليمين واليسار حزبي فنستره والمعتدلون لتنازلهم عن الوعود الانتخابية، ومنهم من وصف الوضع بأنه تبديل لرائحة جلود المنك برائحة جلود السيارات الوزارية.

يرى محللون أن اليوم لا يمثل فقط نهاية مهلة قانونية، بل نهاية رمزية لإمكانية المساءلة السياسية في واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ الدنمارك الحديث.
أنصار الحكومة يعتبرون القضية منتهية قانونياً وأن الوقت حان للتركيز على إصلاحات الزراعة والصحة العامة بدلاً من محاكمات الماضي، بينما يصف المعارضون هذا اليوم بأنه اليوم الذي ماتت فيه المساءلة الديمقراطية، لأن التحالفات السياسية والصفقات الوزارية طغت على العدالة.

وبذلك وبعد خمس سنوات من الجدل وآلاف الصفحات من التحقيقات وملايين المنك التي أعدمت، تسقط اليوم آخر فرصة لمقاضاة ميته فريدريكسن أو أي من وزرائها ومساعديها في هذه القضية، لكن سقوط المهلة القانونية لا يعني بالضرورة سقوط القضية من ذاكرة الدنماركيين، حيث تبقى قضية المنك علامة فارقة في التاريخ السياسي للدنمارك ومرآة لقدرة الديمقراطية على محاسبة السلطة حين تصبح التحالفات أهم من الوعود، والمناصب أهم من العدالة.

أسماء عباس

إعلامية عربية دنماركية حاصلة على ماجستير في الإعلام، صحفية ومقدمة برامج على فضائيات عربية، عضو مسجل في مجلس الإعلام الدنماركي الرسمي، مدربة دولية، مهندسة معمارية، وسفير سلام دولي في منظمة مسجلة في الأمم المتحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!