
تصاعدت حدة الخلاف في الدنمارك حتى أحياناً داخل الحزب الواحد حول قواعد جديدة لتنظيم انبعاثات النيتروجين من الزراعة، بعدما حذّر منتجو الخضروات وخبراء من أن النظام المقرر تطبيقه اعتباراً من عام 2027 قد يجعل إنتاج بعض الخضروات أكثر تكلفة إلى درجة تهدد استمرار بعض المزارع في الدنمارك.
وتكمن المفارقة التي أثارت الجدل في البرلمان في أن زراعة هكتار واحد من بعض أنواع الخضروات قد تتطلب تخصيص عدة هكتارات إضافية من الأراضي الزراعية كأراضٍ بور، أي أراضٍ لا تُزرع لإنتاج الغذاء، وإنما تترك بوراً وتستخدم لتعويض الأثر المحسوب لانبعاثات النيتروجين.
وبحسب حسابات مؤسسة سيغس للابتكار الزراعي Seges Innovation، قد يتطلب إنتاج هكتار واحد من الخضروات بين هكتارين وستة هكتارات من الأراضي البور، تبعاً لنوع المحصول. ويصل الاحتياج، وفق الحسابات، إلى نحو 1.9 هكتار من البوار لكل هكتار من الجزر، ونحو 5.3 هكتار للبصل، ونحو ستة هكتارات للكراث، وفقاً لموقع TV2.
هكتار من البصل مقابل أكثر من خمسة هكتارات بلا إنتاج
هذا يعني عملياً أن المزارع الذي يزرع هكتاراً واحداً من البصل قد يحتاج إلى أكثر من خمسة هكتارات إضافية تيقى متروكة ولا ينتج منها محصولاً، حتى يتمكن من الالتزام بحدود النيتروجين المقترحة لحماية البيئة وتخفيض الانبعاثات.
وأثارت هذه النتيجة اعتراضات داخل البرلمان. فقد قالت النائبة ماري بيريه Marie Bjerre من حزب فينستره Venstre إن المثال الخاص بزراعة هكتار من البصل والحاجة إلى ستة هكتارات من الأراضي البور يوضح مدى خطورة التأثير المحتمل للنظام الجديد، معتبرة أن هذا الوضع قد يقوّض إنتاج الفواكه والخضروات في الدنمارك.
المشكلة لا تتوقف عند خسارة محصول واحد
وتشير حسابات سيغس إلى أن المسألة قد تكون أكبر بكثير على المستوى الوطني. فالدنمارك تزرع حالياً نحو 8300 هكتار من الخضروات، بينما قد تحتاج إلى نحو 20 ألف هكتار من الأراضي البور للحفاظ على مستوى الإنتاج الحالي وفق الحسابات المستخدمة في تطبيق النموذج الجديد، بحسب المصدر.
وتقول مؤسسة سيغس إن هذا الأمر سيزيد بشكل كبير مساحة الأراضي المطلوبة لإنتاج الخضروات، وبالتالي سيرفع تكاليف الإنتاج ويضع المنتجين الدنماركيين أمام ضغط أكبر في المنافسة مع المنتجين الأجانب.
مزارع قد يحتاج إلى آلاف الهكتارات الإضافية
ووصلت القضية إلى البرلمان في صورة أكثر حدة من ذلك؛ إذ سأل نواب وزير الطبيعة ورعاية الحيوان كريستيان رابيرغ مادسن Christian Rabjerg Madsen عن حالة منتج يزرع 325 هكتاراً من الأراضي، بينها نحو 250 هكتاراً بمحصول «بيبي ليف»، ويُقال إنه قد يحتاج إلى شراء ما بين 1600 و2000 هكتار إضافية من الأراضي الزراعية ووضعها في حالة بوار حتى يستوفي متطلبات القانون المقترح.
وتساءلت النائبة ماري بيريه في السؤال البرلماني عما إذا كانت هذه المساحة متاحة أصلاً للشراء، وما موقف الوزير من احتمال اضطرار منتج للخضروات إلى حيازة مساحة من الأراضي تفوق بكثير المساحة التي يستخدمها فعلياً لإنتاج الغذاء. ولم يكن السؤال قد حصل على إجابة نهائية حتى تاريخ نشره في السابع والعشرين من أغسطس.
فاتورة قد تصل إلى عشرات الملايين
ولا تقتصر المخاوف على الحسابات النظرية. فقد قدر أكسل مونسن Axel Månsson، أحد أكبر منتجي الخضروات العضوية في الدنمارك، أن القواعد الجديدة قد تجبره في أسوأ الحالات على توفير نحو خمسة آلاف إلى ستة آلاف هكتار من الأراضي البور لمزرعته التي تزرع نحو 1400 هكتار من الخضروات.
ويقدّر مونسن تكلفة شراء هذه الأراضي أو استئجارها بما بين 40 و50 مليون كرونة دنماركية.
وهنا تكمن إحدى النقاط الرئيسية في الخلاف: الأرض التي يحتاج إليها المنتج لتلبية متطلبات النظام لن تكون أرضاً إضافية لإنتاج المزيد من الغذاء، بل ستكون في جزء كبير منها أرضاً خارج الإنتاج، ما يعني أن المزارع قد يدفع مقابل مساحة لا يحصل منها على محصول.
مزارعو الخضروات يخشون خسارتين في وقت واحد
ويرى المنتجون أن القواعد الجديدة قد تؤدي إلى خسارتين في الوقت نفسه: خسارة جزء من الأراضي التي يمكن استخدامها لإنتاج الغذاء، وارتفاع تكلفة الأراضي التي يجب شراؤها أو استئجارها أو تخصيصها للبوار.
وتزداد المشكلة حدة في المناطق التي ستخضع لأشد مستويات التنظيم؛ إذ تشير حسابات القطاع إلى أن نحو 70% من مساحة الخضروات الدنماركية تقع في أحواض مائية ساحلية يُتوقع أن تخضع لأعلى مستوى من التنظيم في عام 2027.
لماذا تُعامل الخضروات بهذه الصرامة؟
يرتبط الخلاف بطريقة حساب انبعاثات النيتروجين في النموذج الجديد. فالنظام يعتمد على تقدير تسرب النيتروجين من الأراضي الزراعية، وتظهر الخضروات في الحسابات بمعدلات تسرب مرتفعة مقارنة بكثير من المحاصيل الزراعية الأخرى.
وتوضح مؤسسة سيغس أن كثيراً من الخضروات تُحصد في وقت متأخر من العام، ولذلك لا يستطيع المزارعون في جزء كبير من المساحات زراعة محاصيل تغطية بعد المحصول الرئيسي لتقليل تسرب النيتروجين.
وبالتالي يجد المنتج نفسه أمام حاجة إلى تعويض هذا التسرب من خلال مساحات أخرى، ومنها الأراضي التي تُترك بوراً.
الخلاف السياسي: حماية البيئة أم حماية إنتاج الغذاء؟
لا يدور الخلاف في البرلمان حول ما إذا كان ينبغي للدنمارك خفض انبعاثات النيتروجين من الأساس؛ فالحكومة والقطاع الزراعي يتفقان على أهمية حماية البيئة والمياه.
لكن السؤال السياسي الذي يزداد حدة هو كيفية تحقيق ذلك من دون إضعاف إنتاج الغذاء الدنماركي.
فالحكومة تقول إنها تريد زيادة الاكتفاء الذاتي من الفواكه والخضروات والبقوليات، بينما يحذر منتجو الخضروات من أن القواعد الجديدة قد تدفع بعضهم إلى تقليص الإنتاج أو التوقف عنه.
ولهذا طلبت النائبة ماري بيريه من الحكومة النظر في تأجيل انتقال منتجي الخضروات إلى نموذج تنظيم النيتروجين الجديد، تحديداً بهدف الحفاظ على قدرة القطاع الدنماركي على المنافسة.
نواب يطالبون بتقييم واضح للخسائر
ولم يقتصر الضغط البرلماني على المطالبة بتأجيل تطبيق القواعد؛ فقد طلب النائب كيم إيدبرغ أندرسن Kim Edberg Andersen من الحكومة توضيح الآثار المتوقعة للنظام الجديد على مزارعي الخضروات، بما في ذلك عدد المنتجين الذين قد يضطرون إلى تقليص إنتاجهم أو التوقف عن الإنتاج نتيجة القواعد الجديدة.
كما طلب توضيح كيفية التوفيق بين هذه النتائج وبين هدف الحكومة المعلن زيادة الإنتاج والإمدادات من الفواكه والخضروات الدنماركية.
وطالب حزب القائمة الموحدة Enhedslisten أيضاً بإجراء تقييم خاص لتأثير القواعد الجديدة على منتجي الخضروات والتوت، مع دراسة حلول مخصصة للقطاع، خصوصاً لصغار المنتجين وللمحاصيل التي تختلف قدرتها على استخدام محاصيل التغطية بعد الحصاد.
قطاع غذائي ينتج القليل مقارنة بالماضي
ويأتي الخلاف في وقت تعاني فيه الدنمارك أصلاً من انخفاض كبير في نسبة الفواكه والخضروات التي تنتجها محلياً.
فبحسب الأرقام التي أوردها تقرير TV2 نقلاً عن جامعة آرهوس، تنتج الدنمارك حالياً نحو 26% فقط من الخضروات الموجودة في السوق الدنماركية، ونحو 9% من الفواكه.
لكن قبل ستين عاماً كانت الدنمارك تنتج نحو 92% من الخضروات التي يحتاجها السوق المحلي، ونحو 54% من الفواكه.
وخلال السنوات العشر الأخيرة وحدها، تراجع إنتاج الفواكه والخضروات الدنماركية بنحو الخُمس.
وهذا يعني أن السؤال المطروح في البرلمان لا يتعلق فقط بتكاليف المزارعين، وإنما يتعلق أيضاً بما إذا كانت الدنمارك ستتمكن من وقف تراجع إنتاجها المحلي أو ستصبح أكثر اعتماداً على الخضروات والفواكه المستوردة.
الحكومة أمام هدفين متعارضين ظاهرياً
تؤكد الحكومة أن خفض النيتروجين ضروري لحماية البيئة البحرية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أنها لا تريد التضحية بقطاع الخضروات.
وقال وزير الطبيعة ورعاية الحيوان كريستيان رابيرغ مادسن إن المطلوب هو تنفيذ تخفيضات النيتروجين، ولكن بطريقة تسمح أيضاً بالحفاظ على إنتاج قوي للخضروات في الدنمارك.
وتعتزم الحكومة الاستعانة بلجنة خبراء تضم ممثلين عن القطاع الزراعي والجامعات لبحث الحلول الممكنة لمشكلة منتجي الخضروات.
ومن المتوقع أن تظهر الأرقام النهائية المتعلقة بحدود النيتروجين خلال سبتمبر.
السؤال الذي ينتظر إجابة سياسية
وهكذا يدور الخلاف الدنماركي حول معادلة واضحة: هل تستطيع الحكومة خفض انبعاثات النيتروجين من الزراعة، وفي الوقت نفسه تحقيق هدفها المعلن بزيادة إنتاج الخضروات والفواكه داخل البلاد؟
ويقول منتجو الخضروات إن فرض أعباء كبيرة على الأراضي المنتجة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: تقليص الإنتاج المحلي، رفع أسعار المنتجات الدنماركية، ودفع المستهلكين إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الواردات.
أما الحكومة فتتمسك بأن التخفيضات البيئية يجب أن تتحقق، وتقول إن المرحلة المقبلة ستبحث عن حلول تسمح بتحقيق الهدفين معاً.
لكن مع اقتراب موعد تطبيق النظام الجديد، ومع وجود أسئلة برلمانية متتالية حول تكاليفه وتأثيره على المنتجين، أصبحت قضية الخضروات واحدة من أبرز نقاط الخلاف حول كيفية تنفيذ سياسة خفض النيتروجين في الدنمارك.