
تعكس هذه المادة وجهة نظر كاتبها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع.
تتصاعد حدة الخطابات الشعبوية الموجهة ضد المهاجرين في الدنمارك مع دخولنا الأجواء الانتخابية، رغم أن خطاب اليمين واليمين المتطرف هو حقيقة قائمة ومستمرة على مدار العام وليس فقط عند مواسم الانتخابات. إن قضية الاندماج تتجاوز كونها أزمة عابرة لتتحول إلى معضلة هيكلية معقدة الأوجه (اجتماعية، سياسية، اقتصادية)، ولن يتسع هذا المقام لتحليلها بالكامل، لذا سأكتفي بتسليط الضوء على نقاطها الأكثر جوهرية، كما أراها من وجهة نظري بعد إقامتي في الدنمارك لما يقرب من ربع قرن والتي أتيت إليها من أبوظبي وتورونتو.
جذور الاندماج المتعثر: أخطاء السياسات والفرضيات المبكرة (1960 – 2000)
لم تبدأ مشكلة الاندماج في الدنمارك في العقد الأخير، بل تعود جذورها إلى الأخطاء الهيكلية في التعامل مع الموجات الأولى من الهجرة، خاصة في الفترة الممتدة من الستينيات وحتى التسعينيات. بدأت المشكلة عندما تعاملت الدولة الدنماركية مع وصول العمال الأتراك والباكستانيين وغيرهم في الستينيات كـ “عمال ضيوف” (Gæstearbejdere) مؤقتين، وفي ذلك الوقت، لم تضع الحكومة برامج اندماج حقيقية، لا للغة ولا للثقافة، لأن الفرضية كانت أن إقامتهم مؤقتة. هذا أدى إلى تقويض فرص الاندماج من البداية. وعندما قرر هؤلاء العمال البقاء وإحضار عائلاتهم في السبعينيات، كان العزل الجغرافي والاقتصادي قد ترسخ بالفعل في “الجيوب المعزولة”. لاحقاً، ومع تحول موجة الهجرة في الثمانينيات لتشمل أعداداً كبيرة من اللاجئين، أدى عدم تأهيلهم بسرعة لسوق العمل إلى اعتماد واسع النطاق على نظام الرعاية الاجتماعية السخي. هذا الأمر غذى مبكراً القلق بشأن عبء المهاجرين على الميزانية الوطنية، في ظل غياب نموذج واضح للاندماج، مما سمح بنشوء مجتمعات موازية لم تتبنَّ اللغة أو القيم الأساسية للثقة المشتركة في المجتمع الدنماركي، بما فيها الشفافية والالتزام بالقانون. هذه الإخفاقات الهيكلية في الفترة (1960-2000) هي التي ولّدت الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي مكنت لاحقاً صعود خطاب اليمين المتطرف، والذي كان وليد إخفاقات من جانب الحكومات الدنماركية مع التساهل الذي أبداه المهاجرون.
التحديات الإحصائية: الجريمة والاعتماد على الرعاية الاجتماعية
تُظهر البيانات الرسمية في الدنمارك أن هناك تحدياً حقيقياً في الاندماج الاجتماعي والاقتصادي لفئات معينة من المهاجرين وأحفادهم. فوفقاً لهيئة الإحصاء الدنماركية، فإن الأفراد من أصول مهاجرة غير غربية وأحفادهم مُفرَطو التمثيل في الإحصاءات الجنائية مقارنة بالدنماركيين الأصليين. على سبيل المثال، أشارت دراسة أُجريت عام 2003 إلى أن معدل الإدانة كان يبلغ 3.3% بين الأشخاص ذوي الأصول الدنماركية، مقارنة بـ 7.9% بين أحفاد المهاجرين في ذلك العام. ومع ذلك، من الضروري الإشارة إلى أن الأبحاث الأكاديمية تؤكد أن هذا التفوق في معدلات الجريمة يتضاءل بشكل كبير عند الأخذ في الاعتبار العوامل المنهجية مثل العمر والجنس والظروف الاجتماعية والاقتصادية، حسب دراسات نشرت في مجلة Scandinavian University Press.
ويشير ذلك بوضوح إلى أن وضع الهجرة ليس هو السبب الوحيد، بل إن التهميش الاجتماعي-الاقتصادي يلعب دوراً محورياً. أما فيما يخص الاعتماد على الرعاية الاجتماعية، فقد دفع الجدل حول “مغناطيس الرعاية الاجتماعية” الحكومة في عام 2002 إلى تطبيق نظام رعاية اجتماعية مُقلَّص للمهاجرين الجدد من خارج الاتحاد الأوروبي، مما قلل الاستحقاقات بنسبة تصل إلى 50%، حسب تقارير المكتب القومي للأبحاث الاقتصادية (NBER). وقد أظهرت الأبحاث أن هذا الخطاب حول تهديد المهاجرين لنزاهة دولة الرفاهية هو الدافع الرئيسي للتحولات في السياسة الاجتماعية والجنائية.
الاندماج المتعثر في إسكندنافيا مقابل النجاح في أمريكا الشمالية
إن تباين مسارات الاندماج بين الدنمارك (وبقية الدول الإسكندنافية) وأمريكا الشمالية يكمن في طبيعة المجتمع ودوافع الهجرة. المجتمعات الإسكندنافية كانت ولا تزال تتسم بالتجانس الثقافي والاجتماعي العالي، ودولة الرفاهية فيها مبنية على الثقة الاجتماعية العالية والولاء المشترك للمنظومة. في المقابل، تأسست أمريكا الشمالية كـ أرض للمهاجرين، حيث كان المهاجرون الأوائل مدفوعين بالبحث عن الفرص الاقتصادية والاعتماد على الذات.
أما موجات الهجرة الحديثة إلى الدنمارك فقد كانت تتألف في جزء كبير منها من لاجئين أو جمع شمل أسر، يصلون وهم غالباً يعانون من الصدمات بسبب الحروب وربما بمهارات لا تتناسب مباشرة مع سوق العمل الإسكندنافي. هذا التباين في نقطة البداية والتوقعات المجتمعية يفسر جزءاً كبيراً من التفاوت، حيث الدنمارك تضغط نحو الاستيعاب الثقافي للحفاظ على التجانس، بينما أمريكا الشمالية ترى النجاح الاقتصادي الفردي مقياساً كافياً للاندماج.
الخطاب العنصري في الفضاء الرقمي واستهداف المرأة المسلمة
لا يقتصر الإقصاء على السياسات الحكومية، بل يمتد ليشمل الخطاب اليومي، لاسيما على منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت بيئة خصبة للكراهية والعنصرية غير المقيدة. لقد أدت النبرة السياسية المتشددة إلى تطبيع خطاب “نحن وهم” (Us vs. Them)، مما يغذي الكراهية التي تنتقل بسهولة إلى الفضاء الرقمي. وفي هذا السياق، تظهر الإحصائيات أن المرأة المسلمة المحجبة هي الفئة الأكثر تعرضاً لتعليقات الكراهية والتمييز في المجتمع الدنماركي. يشير تقرير شبكة مناهضة العنصرية الأوروبية (ENAR) حول الإسلاموفوبيا في الدنمارك إلى أن التحرش اللفظي يستهدف على وجه الخصوص النساء بسبب مظهرهن الديني المرئي. وفي استطلاعات رأي أجريت في كوبنهاجن، ذكرت نسبة تصل إلى 60% من النساء اللاتي شملهن المسح أنهن تعرضن للصراخ أو تجارب مماثلة، وكان العديد من هذه الحوادث مبنياً على مظهرهن وملابسهن. إن التعبير البصري عن الهوية الدينية (الحجاب) يجعل المرأة هدفاً واضحاً للهجوم المزدوج القائم على التحيز الجنسي وما يسمونه برهاب الإسلام Islamophobia.
وكتجربة شخصية، فقد علقت في مرة على منشور لوزير دنماركي وكان تعليقي إيجابياً وغير مستفز، ومع ذلك تلقيت رداً بالللغة الدنماركية من حساب يبدو لشخص دنماركي مكتوب فيه ارجعي إلى وطنك فأنت غير مرحب بك هنا، قدمت بلاغاً للشرطة الدنماركية تحت بند العنصرية والكراهية، وجاء الرد متأخراً جداً بعدم قبول الشكوى على أساس أن التعليق الذي اعتبره أنا تمييزاً وكراهية لا يعتبره القانون كذلك. هذا كله يغذي خطاب الكراهية والعنصرية والتمييز على صفحات التواصل الاجتماعي دون قيد أو شرط.
من يتحمل المسؤولية؟ النقد الذاتي مقابل سياسات الاستبعاد
إن المسؤولية عن الاندماج المتعثر هي مسؤولية مشتركة، ولا يمكن إلقاؤها على طرف واحد. أولاً، الحكومات الدنماركية تبنت منذ عام 2001 تحولاً نحو سياسات أكثر صرامة، ووصل الأمر بعد عام 2015 إلى تحول جذري نحو الاحتجاز والترحيل، وتبنّت خطاباً صارماً يهدف إلى جعل الدنمارك أقل جاذبية للمهاجرين. وتوج ذلك بسن قانون “مكافحة الغيتو” في عام 2018، الذي يهدف إلى تقليل عدد السكان من “أصول غير غربية” في مناطق معينة لتكون النسبة أقل من 30%. هذه السياسات، التي يعتبرها المهاجرون بأنها معادية عمداً، تخلق بيئة من الاستبعاد المؤسسي.
ثانياً، لا يمكن إنكار أن فشل بعض الأفراد والمجتمعات المهاجرة في الاستثمار بجدية في تعلم اللغة والمشاركة في سوق العمل والالتزام بالقانون، مع ظاهرة التقوقع في مجتمعات موازية -بحسب ما يطلق عليها-، يغذي خطاب اليمين المتشدد، وعلى سبيل المثال، فإن التمثيل الزائد في الإحصاءات الجنائية يظل حقيقة تُستغل في الخطاب السياسي.
خطاب اليمين: بين رفض العنصرية وقبول الحقائق الصعبة
إن الموقف الأخلاقي الثابت هو رفض تام للتمييز، والتعميم، والصورة النمطية، ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن خطاب اليمين العنصري يستمد وقوده من حقائق صعبة موجودة في الإحصاءات حول البطالة والاعتماد على الرعاية والجريمة، وهذا هو التناقض الذي يجب مواجهته. بدلاً من إما الإنكار أو جلد الذات فقط، يجب على مجتمع المهاجرين أن يمارس “التحليل الذاتي الناقد” والعمل الجاد على التصحيح الداخلي والتمكين الاقتصادي والتعليمي لأبنائه، وفي الوقت نفسه يجب على المجتمع الدنماركي والدولة أن يتحملا مسؤوليتهما عبر إلغاء سياسات الاستبعاد التمييزية، ومحاربة التمييز في سوق العمل وسوق الإسكان، وتوفير فرص حقيقية متساوية للمشاركة الكاملة في دولة الرفاهية، فالاندماج الناجح لا يتحقق إلا عندما يتوقف طرف عن الوصم السياسي ويتوقف الطرف الآخر عن التقاعس عن المشاركة.