إعلان
اقتصادالأخبار

تقرير للدنمارك 24 | شركات طيران تجري تغييرات جوهرية قبل موسم صيف 2026 وهذه تداعياتها على المسافرين…

تنبيه: يُسمح فقط بمشاركة الرابط ويُمنع نسخ المحتوى أو استخدام الصور الخاصة بالموقع لأي سبب بموجب قانون حقوق النشر

تشير البيانات التشغيلية والتقارير الحديثة الصادرة في أبريل 2026 إلى أن أزمة ارتفاع أسعار وقود الطائرات المرتبطة بالتوترات الإقليمية وخاصة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وتأثر مضيق هرمز لم تُترجم إلى استجابة موحدة بين شركات الطيران، بل كشفت عن اختلافات حادة في طريقة التعامل مع الصدمة، خاصة بين الشركات الأوروبية والعربية والتركية من جهة، والشركات الأمريكية والآسيوية من جهة أخرى، وهو ما انعكس مباشرة على المسافرين الأوروبيين خاصة الذين يقصدون الوجهات العربية لموسم الصيف.

في أوروبا، كانت استجابة مجموعة Air France-KLM الأكثر وضوحًا من حيث الربط المباشر بين الجدوى الاقتصادية والتشغيل، فوفق تقارير حديثة، لم تلجأ المجموعة إلى رفع الأسعار بشكل عام فقط، بل قامت بإلغاء عدد ملموس من الرحلات داخل الشبكة الأوروبية وتقليص السعة على المسارات قصيرة ومتوسطة المدى التي أصبحت غير مربحة بعد الارتفاع الحاد في تكاليف الوقود. ولم يكن هذا القرار عشوائيًا، بل استند إلى معادلة واضحة: الرحلات القصيرة تستهلك وقودًا بنسبة مرتفعة مقارنة بالعائد لكل مقعد، ما جعل استمرار تشغيلها في ظل أسعار الطاقة الحالية يعني خسارة مباشرة. وفي الوقت نفسه، فرضت المجموعة زيادات محددة على الرحلات الطويلة، وصلت إلى نحو 50 يورو للتذكرة، في محاولة دقيقة لموازنة الإيرادات دون التأثير الكامل على الطلب، وهو ما يعكس انتقالًا من التسعير التقليدي إلى تسعير انتقائي مرتبط بتكلفة المسار نفسه.

وفي المقابل، اتبعت بعض شركات الطيران الخليجية العالمية وعلى رأسها Emirates نهجًا مختلفًا يقوم على الحفاظ على الشبكة التشغيلية بدل تقليصها، مع تمرير جزء كبير من التكلفة إلى الأسعار. لم تظهر بيانات موثوقة تشير إلى إلغاء واسع للرحلات الصيفية، لكن ما يبدو حتى اللحظة هو أن الشركة أعادت توزيع طائراتها نحو الوجهات الأعلى ربحية ورفعت الأسعار تدريجيًا على الخطوط ذات الطلب المرتفع، خصوصًا تلك التي تربط أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا، ويعكس هذا السلوك طبيعة نموذج الناقلات الخليجية التي تعتبر مراكز عبور عالمية، حيث يصبح تقليص الرحلات خيارًا مكلفًا استراتيجيًا لأنه يضعف الشبكة بالكامل، لذلك تفضّل الشركات الحفاظ على كثافة التشغيل مع تعديل الأسعار بدل إلغاء الخطوط.

أما الخطوط الجوية التركية Turkish Airlines فقد قدمت نموذجًا وسيطًا بين النهجين الأوروبي والخليجي، وهو ما يظهر بوضوح في خط إسطنبول–دبي على سبيل المثال، حيث تظهر البيانات الفعلية من أنظمة الحجز أن الخط لم يُلغَ بالكامل خلال مايو 2026، إذ ما تزال هناك رحلات متاحة للحجز في عدة تواريخ، لكن في الوقت نفسه حدث تراجع كبير في وتيرة الرحلات اليومية مع اختفاء الرحلات في كثير من أيام شهر مايو نتيجة إلغاء أو دمج الرحلات. هذا النمط يعكس ما يسمى تشغيليًا “إعادة تجميع السعة”، حيث تقوم الشركة بإلغاء الرحلات الأقل امتلاءً ودمج المسافرين في رحلات أخرى، بدل تشغيل طائرات بخسارة. لذلك فإن تجربة المسافرين -مثل إلغاء رحلات فردية وعدم توفر بدائل في نفس اليوم- تعكس واقعًا حقيقيًا من الاضطراب، لكنها لا تعني توقف الخط بالكامل، بل تشير إلى تحول التشغيل من جدول منتظم إلى نمط متقطع يخضع للحسابات الاقتصادية اليومية ويواكب التغيرات في سوء الطاقة وقطاع الطيران.

ويكشف هذا التباين بين أوروبا والخليج وتركيا عن اختلاف جوهري في فلسفة إدارة الأزمة: الشركات الأوروبية فضّلت تقليص العمليات لحماية الهوامش، بينما ركزت شركات الشرق الأوسط على الحفاظ على الشبكة مع نقل التكلفة إلى المسافر، في حين اختارت الشركات التركية نموذجًا هجينًا يقوم على تقليص الوتيرة دون التخلي عن الخطوط الحيوية.

ومع هذا التباين في أساليب إدارة الأزمة وتداعياتها الاقتصادية، تطال التبعات والتأثير المسافر بشكل مباشر، إما من خلال إلغاء الحجوزات أو إلغاء الرحلات أو أو في أحسن الأحوال، إعادة جولتها خلال مدة قصيرة نسبياً.

وعند الانتقال إلى الولايات المتحدة، يتضح أن شركات الطيران هناك لم تعتمد بشكل أساسي على إلغاء الرحلات، بل ركزت على إعادة تصميم الإيرادات. شركات مثل Delta Air Lines وAlaska Airlines قامت بزيادة الرسوم الإضافية بشكل مباشر، خاصة رسوم الأمتعة، حيث ارتفعت تكلفة الحقيبة الثانية إلى 50 دولار والحقيبة الثالثة لدى Alaska من 50 إلى 200 دولار، في حين رفعت Delta رسوم الأمتعة الأساسية وخفّضت السعة التشغيلية بنحو 3.5%. هذا النموذج يعكس استراتيجية مختلفة تقوم على تفكيك سعر التذكرة وتحويل جزء من تكلفة الوقود إلى خدمات إضافية يدفعها المسافر بشكل منفصل، بدل رفع السعر الأساسي بشكل قد يؤثر على الطلب. وفي الوقت نفسه، أشارت تقديرات السوق إلى أن الارتفاع في أسعار الوقود قد يضيف نحو 24 مليار دولار إلى تكاليف شركات الطيران الأمريكية، ما يفسر هذا التحول نحو رفع الإيرادات من كل مسافر بدل الاعتماد فقط على سعر التذكرة.

وفي المحصلة، تكشف هذه البيانات أن ما يحدث في قطاع الطيران هو إعادة تشكيل عميقة لنموذج التشغيل والتسعير وليس مجرد ارتفاع في الأسعار، وسيلمس المسافر في أوروبا هذه التغيرات بشكل واضح، ليس فقط من خلال ارتفاع الأسعار، بل أيضًا عبر انخفاض وتيرة بعض الرحلات، وزيادة احتمالات الإلغاء أو إعادة الجدولة، خصوصًا على الخطوط التي لم تعد تحقق توازنًا اقتصاديًا في ظل تضاعف تكاليف الوقود. هذه التحولات تشير إلى أن القطاع دخل مرحلة جديدة يتم فيها تسعير الطاقة كمخاطر مباشرة داخل التذكرة، وهو تغير قد يستمر حتى بعد انتهاء الأزمة الجيوسياسية الحالية.

أسماء عباس

إعلامية عربية دنماركية حاصلة على ماجستير في الإعلام، صحفية ومقدمة برامج على فضائيات عربية، عضو مسجل في مجلس الإعلام الدنماركي الرسمي، مدربة دولية، مهندسة معمارية، وسفير سلام دولي في منظمة مسجلة في الأمم المتحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!