
نعرض في هذا التقرير من موقع الدنمارك 24 أبرز الأحداث في الساحة السياسية الدنماركية منذ إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية الدنماركية قبل منتصف ليل يوم الثلاثاء 24 مارس 2026 وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، مع تفصيل أبرز ما حصل “لعبة السلطة” التي يقودها لارس لوكه راسموسن وتحركات مورتن ميسرشميت. ومع وجود المزيد من القصص حول الأحزاب والأعضاء المنتخبين للبرلمان الدنماركي، نسلط الضوء في هذا التقرير على أبرز الأحداث التي تؤثر بشكل مباشر على مسارات تشكيل الحكومة الدنماركية الجديدة.
أولاً: نتائج انتخابات 24 مارس: زلزال سياسي وتفتت المقاعد
أفرزت صناديق الاقتراع خريطة برلمانية معقدة جعلت من المستحيل تشكيل حكومة لون واحد أو حتى تحالف ثنائي بسيط.
- إجمالي المقاعد: 179 مقعداً (بما فيها مقاعد جرينلاند وفارو)، ويتطلب تشكيل حكومة أغلبية 90 مقعداً برلمانياً.
- الحزب الأكبر: الديمقراطيون الاشتراكيون (A) بـ 38 مقعداً (تراجع تاريخي للحزب تحت قيادة ميته فريدريكسن).
- حزب الشعب الاشتراكي (SF): حقق قفزة بـ 20 مقعداً.
- اليمين الليبرالي (Venstre): حصل على 18 مقعداً.
- التحالف الليبرالي (LA) وحزب الشعب الدنماركي (DF): تعادلا بـ 16 مقعداً لكل منهما مع صعود كبير بتضاعف حجم الحزب اليميني الشعبوي (DF) مقدار ثلاثة مرات في البرلمان الدنماركي.
- المعتدلون (M): بقيادة لارس لوكه راسموسن حصلوا على 14 مقعداً.
- بقية الأحزاب: توزعت بين المحافظين (13)، ديمقراطيو الدنمارك (10)، الراديكال (9)، القائمة الموحدة (11)، البديل (6)، والمواطنون (4)، ولكن بعد ذلك اختلفت أعداد المقاعد بعد استقالة بعض المرشحين من أحزابهم خلال الأسبوع الأول ما بعد إجراء الانتخابات.
ثانياً: جولة “المحقق الملكي” 26 مارس 2026:
بعد الانتخابات بيومين، توجه قادة الأحزاب للقاء الملك فريدريك العاشر فيما يعرف بـ “Kongerunde” أي جولة لقاء الملك، وهنا حدث الانعطاف الأول:
- ترشيح لارس لوكه لنفسه: في خطوة غير تقليدية، لم يوصِ لارس لوكه راسموسن (زعيم المعتدلين) بالاسم المتوقع “ميت فريدريكسن” التي حصل حزبها على أعلى نسبة من أصوات الناخبين، وبدلاً من ذلك طلب من الملك رسمياً تعيينه هو “محققاً ملكياً”، وبرر ذلك بأن ميته فريدريكسن لا تمثل وسطاً حقيقياً، وأن حزبه هو “الجسر” الوحيد المتبقي.
- اختيار ميت فريدريكسن المشروط: رغم طلب لوكه، إلا أن غالبية المقاعد (84 مقعداً) مالت لميته فريدريكسن بفضل توصية جميع الأحزاب الحمراء للملك فريدريك بتعيين ميته فريدريكسن محققة ملكية وبالتالي تكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، إلا أن زعيمي حزب كل من SF والراديكال فينسترا، وضعوا شرطاً لهذا التكليف بأن يوافقوا على الحكومة التي ستشكلها ميته فريدريكسن، وبالتطبيق العملي، يفهم ذلك على رغبة أو شرط زعيمي الحزبين بأن يكونوا جزءاً من الحكومة (الحصول على حقائب وزارية)، والنتيجة هي تكليف رسمي من الملك فريدريك بتعيين ميته فريدريكسن محققة ملكية مع اعتبار الشرط الذي وضعه زعيمي حزبي SF و الراديكال فينسترا.
ثالثا: بدء المفاوضات مع الأحزاب الحمراء وحزب المعتدلين وتحذير زعيم المعتدلين لوكه
لارس لوكه راسموسن لم يكتفِ بحجب توصيته عن ميته فريدريكسن لتكون المحققة الملكية، بل وجه تحذيراً لميته فريدريكسن بعد مرور ما يقرب من أسبوعين عل المفاوضات الحكومية مع الأحزاب الحمراء مفاده: “لا يمكنك الاعتماد على أصواتنا لتشكيل حكومة حمراء صرفة”، وبالتالي:
- وضع لارس لوكه راسموسن شرطاً لاستمرار التفاوض ميته فريدريكسن وهو استدعاء حزب Venstre وحزب المحافظون لطاولة المفاوضات، وتعليق المفاوضات مع المسار الأحمر، ونتيجة لضغط لوكه، قامت ميته فريدريكسن فعلياً بـ “تجميد” أو تعليق المفاوضات العميقة مع حلفائها التقليديين في الكتلة الحمراء، ووجهت دعوة للحزبين اليمينبين (حزب فينستره و حزب المحافظون)، مما أشعل غضب اليسار.
رابعاً: ردود فعل “الكتلة الحمراء” (SF والراديكال فينسترا)
هذا التحول نحو اليمين أحدث شرخاً كبيراً:
- بيا أولسن دير (زعيمة SF): أطلقت تصريحات نارية عبر TV 2، قالت فيها إن حزبها لن يوافق ولن يدعم حكومة تضم حزب Venstre أو التحالف الليبرالي. ووضعت شرطاً: “إما سياسات اجتماعية ومناخية يسارية واضحة، أو لن تقبل بهذه الحكومة، هنا نذكّر بشرطها التي وضعته أمام الملك فريدريك عندما أوصت بتعيين ميته فريدريكسن محققة ملكية.
- مارتن ليدغارد (زعيم الراديكال فنستره): صرح بأن حزبه يرفض أن يكون “تكملة عدد” في حكومة يسيطر عليها اليمين والمعتدلون، واشترط مكاسب كبيرة في ملف البيئة والتحول الأخضر، وقد كان زعيم راديكال فنستره قبل الانتخابات قد صرك بأنه حزبه لن يمانع التعاون مع أحزاب اليمين التي تتخذ سياسات هجرة صارمة في حال حقق معهم مكاسب في ملف البيئة والتي وضعه الحزب كأولوية في هذه الانتخابات.
خامساً: الانشقاقات البرلمانية: “المستقلون” الجدد
خلال الفترة الماضية بعد الانتخابات ومع تعثر المفاوضات، بدأت ظاهرة الانشقاقات:
- أعلن بعض المرشحين الفائزين (أبرزهم من كتل اليمين الصغير والوسط) انفصالهم عن أحزابهم ليصبحوا أعضاء مستقلين في البرلمان.
- السبب: استقالات أو استبعاد من الحزب بعد أن اتضح تقديم معلومات مغلوطة عند التقدم لعضوية الحزب والترشح للمقاعد البرلمانية، وبذلك فقدت الكتلة اليمينية الزرقاء ثلاثة مقاعد برلمانية، ما جعل من المستحيل وصول الكتلة الزرقاء للأغلبية البرلمانية (90 مقعداً) حتى مع فرضية تحالف حزب المعتدلون بقيادة لارس لوكه راسموسن مع الكتلة الزرقاء.
سادساً: التطور الأخير: ضربة مورتن ميسرشميت
قبل قليل، ووفقاً لموقع TV 2، أعلن مورتن ميسرشميت (زعيم حزب الشعب الدنماركي DF) عن خطوة استراتيجية وهي قراره بتعيين نفسه نائباً لرئيس البرلمان الدنماركي (Folketingets Præsidium)، وقال ميسرشميت لـ TV 2: “بينما تتلاعب ميته فريدريكسن ولارس لوكه بمستقبل البلاد في غرف مغلقة، سأكون أنا في رئاسة البرلمان لأقف حارساً للدستور ولأمنع تمرير أي قوانين تمس السيادة الدنماركية أو حقوق المواطنين الأصليين”. ويعني هذا الإعلان أن ميسرشميت يضع سلطته داخل المؤسسة التشريعية لمواجهة أي حكومة “وسط” قادمة قد يراها ضعيفة أو متنازلة في ملفات الهجرة والسيادة.
سابعاً: أين تقف الدنمارك اليوم؟
بعد مرور أكثر من أسبوعين:
- ميته فريدريكسن: “محققة ملكية” محاصرة بين مطرقة لارس لوكه (الذي يريد حكومة يمين وسط) وسندان SF (الذي يهدد بإسقاطها إذا ذهبت لليمين).
- لارس لوكه راسموسن: يبدو بأنه هو المتحكم الفعلي للمفاوضات، ويستخدم نفوذه لكسر الهيمنة الاشتراكية.
- البرلمان: يشهد حالة من عدم اليقين مع زيادة عدد النواب المستقلين.
المشهد الآن معلق بانتظار إما نجاح ميته فريدريكسن في تشكيل الحكومة رغم كل التحديات التي تواجهها أو فشلها في تشكيل الحكومة واعترافها بذلك، مما قد يفتح الباب لتعيين “محقق ملكي” جديد، قد يكون لارس لوكه راسموسن نفسه الذي يحافظ حتى اللحظة على قنوات مفتوحة مع أحزاب من اليمين واليسار، وفي اسوأ السيناريوهات -والتي تبدو مستبعدة حتى لحظة إعداد هذا التقرير-، إجراء انتخابات جديدة كلياً.